اليمنصنعاء
أخر الأخبار

خمس سنوات بعد الصورة… رصاصة تُنهي حكاية الطفل “عيسى” في قاع جهران

حين يتحول الفقر إلى حكم إعدام: من قتل الطفل عيسى في قاع جهران؟

وكالة صنعاء الاخبارية || خاص

كتب الصحفي رشيد البروي قصة خبرية موجعه قال فيها..

هذا الطفل الذي التُقطت له هذه الصورة بعدستي قبل 5 سنوات، هو نفسه الطفل “عيسى” الذي أُزهقت روحه صباح اليوم في قاع #جهران_ذمار، وهو مثقل بأعباء تفوق سنّه، ساعيًا خلف رزقٍ شحيح يعين به أسرةً أنهكها الفقر، حالها كحال مئات الأسر في القرى التي ضاقت بها سبل العيش.

يوميًا… يتوافد إلى #قاع_جهران عشراتُ المعدمين من القرى والمناطق القريبة من مدينة ذمار، مدفوعين بالحاجة وقسوة الواقع المرير… وفي فجر هذا اليوم الخميس، خرج “عيسى” مودّعًا أمه، قاطعًا مسافةً تمتد عبر أكثر من ثلاث قرى، ومتجهًا إلى مزارع البطاط، هناك حيث اعتاد الفقراء والعمال البسطاء قصد المكان بحثا عن الرزق؛ إما بالعمل مع المزارعين والحصول على بضعة كيلوغرامات من البطاط كمقابل، أو بالبحث عمّا تبقّى من محصول البطاط في الأراضي التي تُتاح للعامة بعد انتهاء حرثها حصادها، أو اعتمادًا على ما يجود به بعض أصحاب المزارع المعروفين بسخائهم في ذلك القاع الخصيب.

 

جرت العادة لدى مزارعي البطاط أن يتيحوا للمحتاجين النبش في جرب البطاط، بعد أن تصبح «هدارًا» أي متاحة للعامة بعد استكمال عملية الحرث والاستخراج، الأمر الذي يدفع الكثير من الباحثين عن البطاط إلى النبش والتنقيب عمّا علق في باطن الأرض من حبات لم تطلها الحراثات ولا أيادي مُلّاكها، خصوصًا بعد مرور يومين أو ثلاثة أيام، حيث تصبح تلك الأراضي متاحة للمحتاجين والعاملين لينبشوا فيها ويستخرجوا ما يستطيعون كقوتٍ أسبوعي لأسرهم.

“عيسى”، شأنه شأن أولئك العمال المحتاجين، وقعت عيناه على إحدى تلك الجرب التي اعتبرها مباحة، غير أن مالك الأرض – أو أحد حراسها المدعو “عايض الراعي” – أقدم دون تردّد على إطلاق النار عليه وعلى من كان معه من العاملين، حاول “عيسى” النجاة والفرار هربًا من النيران، لكن رصاصةً غادرة اخترقت رأسه من الخلف، فأسقطته قتيلًا مجندلًا في قاع جهران…وهكذا عاد محمولا على الأكتاف..

قُتل “عيسى” على يد مجَـ.ـرمٍ لم يكترث بما يحمله هذا الطفل خلفه من حكاية كفاحٍ موجعة تنهد من هولها الجبال وتتفتت من سماعها الصخور، قُتل “عيسى” وهو محمّلٌ بمسؤولية إعالة أسرة كما لو أن عمره تجاوز الأربعين، وقُتل دون أن يدرك قاتله أن العوز هو من أجبر أسرته على إخراج فلذة كبدها الوحيد من المدرسة ودفعه للبحث عن لقمة عيش وسط هذه المخاطر، وهو في عمر الزهور، قُتل “عيسى”… وعلى ماذا؟ على بضع حبات بطاط؟! أي جريمة هذه؟ وأي مأساة لطفولةٍ لو وُضعت على الجبال السود لزعزعتها.

نعم، تمكّنت الأجهزة الأمنية من ضبط الجاني، وهذا واجبها، لكن السؤال الأثقل يبقى، كيف بلغ بنا الحال إلى هذا الحد؟ وأي مستقبلٍ قاسٍ ينتظر آلاف الأطفال والشباب من أبنائنا؟ وأين « واتراحموااا»..

تالله إن الوجع أكبر من أن تحيط به الكلمات…رحمك الله يا “عيسى”، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى